ابن عجيبة
477
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الإشارة : أهل الغفلة إذا بعثوا أو ماتوا ندموا على ما فوّتوا ، وقصر بين أعينهم ما عاشوا في البطالة والغفلة ، كأن لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعة من نهار . فالبدار البدار أيها الغافل إلى التوبة واليقظة ، قبل أن تسقط إلى جنبك ، فتنفرد رهينا بذنبك . فأما أهل اليقظة - وهم العارفون بالله - فقد حصل لهم اللقاء ، قبل يوم اللقاء ، قد خسر الوصول من كذّب بأهل الوصول ، وما كان أبدا ليهتدى إلى الوصول إلا بصحبة أهل الوصول . وإما نرينك أيها العارف بعض الذي نعدهم من الوصول لمن تعلق بك ، أو نتوفينك قبل ذلك ، فإلينا مرجعهم فنوصلهم بعدك بواسطة أو بغيرها . ولكل أمة رسول يبعثه اللّه يذكر الناس ويدعوهم إلى اللّه ، فإذا جاء رسولهم قضى بينهم بالقسط ، فيوصل من تبعه ويبعد من انتكبه . واللّه تعالى أعلم بأسرار كتابه . ثم أجاب عن قولهم متى هذا الوعد ، فقال : [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 49 إلى 52 ] قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ( 49 ) قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً ما ذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ ( 50 ) أَ ثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ( 51 ) ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ( 52 ) قلت : قدّم في الأعراف « 1 » النفع ، وهنا الضر ؛ لأن السؤال في الأعراف عن مطلق الساعة المشتملة على النفع والضر ، وهنا السؤال عن العقاب الذي وعدهم به ، بدليل قوله : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ . وقوله : إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ منقطع ، ويصح الاتصال . وقوله ما ذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ وضع المظهر موضع المضمر ، أي : ماذا تستعجلون منه ؟ . والجملة الاستفهامية جواب الشرط ، كما يقال : إن أتيتك ماذا تعطيني ؟ ، أو محذوف ، أي : إن أتاكم ألكم منه منعة أو به طاقة فماذا تستعجلون منه ؟ وقال الواحدي : الاستفهام للتهويل والتفظيع ، أي : ما أعظم ما تستعجلون منه ، كما تقول : أعلمت ما ذا تجنى على نفسك ؟ . أَ ثُمَّ إِذا ما وَقَعَ ، دخلت همزة التقرير على « ثم » العاطفة ، أي : إن استعجلتم ثم وقع بكم العذاب آمنتم به حين لا ينفعكم .
--> ( 1 ) في قوله تعالى : قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا . . الآية 188 .